متابعة / المدى
تصاعد السجال السياسي في لبنان، أمس الثلاثاء، بين رئيس الوزراء نواف سلام والأمين العام لحزب الله نعيم قاسم، على خلفية المفاوضات مع إسرائيل ومسؤولية الأطراف اللبنانية عن الحرب وتداعياتها، بالتزامن مع تقارير إسرائيلية تحدثت عن تعزيز الجيش الإسرائيلي وجوده في عمق جنوب لبنان، وشق طرق وإقامة قواعد عسكرية وتدمير واسع للقرى والمباني.
ورد سلام بحدة على تصريحات قاسم، الذي اتهم السلطة السياسية بتقديم «تنازلات مجانية» لإسرائيل والعمل لمصلحتها على حساب سيادة لبنان، معتبرا أن الحزب هو الذي أدخل البلاد في حروب وصفها بالعبثية، ومنح إسرائيل ذرائع للاعتداء وتدمير المدن والقرى وقتل السكان وتهجير مئات الآلاف.
وقال سلام، في منشور على منصة «إكس»: «يطل علينا اليوم من يتهم السلطة السياسية بأنها كانت عونا لإسرائيل بدل أن تكون عونا لسيادة لبنان، ثم يدعو إلى الحوار والوحدة وكأن اللبنانيين بلا ذاكرة».
وأضاف أن «الحقيقة أن العون الأكبر لإسرائيل قدمه من تفرد بإدخال لبنان في مغامرات حروب “إسناد” عبثية، ومنحها الذرائع للاعتداء على بلدنا ودوس سيادته وتدمير مدنه وقراه وقتل أبنائه وتهجيرهم بمئات الآلاف».
واتهم رئيس الوزراء اللبناني حزب الله بالتفرد بقرار الحرب ومحاولة الاستمرار في مصادرة قرار الدولة وربط لبنان بحسابات ومحاور خارجية، معتبرا أن من يتجاهل مصالح بيئته واللبنانيين عموما لا يملك الحق في توزيع شهادات الوطنية والسيادة.
وشدد سلام على أن سيادة لبنان تتطلب وجود قرار مستقل واحد ودولة تمتلك جيشا واحدا يبسط سلطته على كامل الأراضي اللبنانية بقواه الذاتية حصرا، مؤكدا أن بناء الحوار والوحدة يتطلب الاعتراف بالحقائق وتحمل المسؤولية عن الخيارات التي وصفها بالمتهورة، والتي قال إن اللبنانيين ما زالوا يدفعون أثمانها الباهظة.
وأكد التزام الدولة بإزالة الاحتلال الإسرائيلي عن كامل الأراضي اللبنانية وإعادة الأسرى وتأمين شروط العودة الكريمة والآمنة للسكان إلى مدنهم وقراهم وحقولهم ومنازلهم، إلى جانب إعادة إعمار المناطق المتضررة.
وجاء رد سلام بعد كلمة بثتها قناة «المنار» خلال ذكرى أربعين الإمام الحسين، هاجم فيها قاسم مسار المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، في وقت كان الطرفان يعقدان جولة تفاوض جديدة في روما.
وقال قاسم: «نعتبر أن كل المفاوضات المباشرة لن تجلب للبنان إلا العار والذل والخيبة والتنازلات المتتالية»، متهما السلطة السياسية بأنها «كانت عونا لإسرائيل بدل أن تكون عونا لسيادة لبنان» من خلال استمرارها في المفاوضات. كما انتقد قاسم موقف الرئيس اللبناني جوزيف عون، معتبرا أنه «لم يعمل كحكم وجامع بل أصبح طرفا ومفرقا»، في تصعيد سياسي استدعى ردا سريعا من رئيس الحكومة.
ويعكس هذا السجال اتساع الخلاف الداخلي بشأن إدارة المواجهة مع إسرائيل، وحدود دور حزب الله، والجهة المخولة باتخاذ قرارات الحرب والسلم، فضلا عن الموقف من المفاوضات الجارية، في ظل استمرار التداعيات الأمنية والإنسانية في جنوب لبنان.
وتزامن التصعيد السياسي مع نشر صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية تقريرا، استنادا إلى جولات ميدانية وصور حديثة التقطتها الأقمار الاصطناعية، قالت فيه إن الجيش الإسرائيلي يعزز وجوده بصورة متزايدة في عمق جنوب لبنان. وذكرت الصحيفة أن الجيش الإسرائيلي احتل 600 كيلومتر مربع من الأراضي اللبنانية، وأن المنطقة تشهد أعمال إنشاء واسعة، تشمل إقامة قاعدة عسكرية بعيدة عن الحدود الإسرائيلية وشق عشرات الكيلومترات من الطرق، إلى جانب محو قرى بأكملها.
وفي السياق نفسه، كشف تحقيق أجرته القناة 12 الإسرائيلية، بالاستناد إلى صور الأقمار الاصطناعية، عن تدمير ممنهج وواسع في قرى جنوب لبنان، شمل نحو 18 ألف مبنى في 19 قرية خضعت للفحص.
وأظهر تحليل صور التقطتها شركة «بلانيت لابز»، وأجراه مركز نظم المعلومات الجغرافية في الجامعة العبرية، تدمير 74 في المئة من إجمالي المباني في القرى التي شملها المسح.
وبحسب التحقيق، تجاوزت نسبة الدمار 50 في المئة في 18 قرية من أصل 19، فيما دمر أكثر من 80 في المئة من مباني عشر قرى. ووصلت نسبة الدمار إلى 99 في المئة أو أكثر في قرى مروحين ومحيبيب ومارون الرأس وبليدا والعديسة.
واعتمد التحليل تصنيف المبنى على أنه «مدمر» عندما تبلغ الأضرار التي لحقت به 30 في المئة على الأقل، مشيرا إلى أن حجم الدمار يرتفع كلما اقتربت القرى من الحدود الإسرائيلية.
وخلص التحقيق إلى أن جزءا كبيرا من عمليات التدمير وقع خلال الحملة العسكرية الإسرائيلية الحالية ضد حزب الله، فيما تعود أضرار أخرى إلى مواجهات عام 2024.
وكان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس قد أقر، بحسب التقرير، بتدمير جميع المباني في 24 قرية لبنانية، قائلا: «دمرنا ما بين 15 و20 ألف منزل.. ودمرت القرى الأربع والعشرون بالكامل».
وتضع هذه المعطيات لبنان أمام أزمة متشابكة تجمع بين استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي والدمار الواسع في بلدات الجنوب، والانقسام الداخلي بشأن السلاح وقرار الحرب، والخلاف على جدوى المفاوضات وآليات استعادة الأراضي وإعادة السكان وإعمار المناطق المتضررة.