متابعة/المدى
قال المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، أمس الثلاثاء، إن روسيا لا ترغب في انسحاب إيران من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وذلك بعد تصريحات لمسؤولين إيرانيين لوّحوا بإمكانية الانسحاب من الاتفاقية في ظل الضغوط الدولية على طهران وبرنامجها النووي.
وأوضح بيسكوف أن موسكو تأمل بقاء إيران طرفاً في المعاهدة، التي تلزم الدول الأعضاء بعدم تطوير أو امتلاك أسلحة نووية، في موقف يأتي بالتزامن مع استمرار الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وتصاعد المساعي الدبلوماسية الرامية إلى التوصل إلى تسوية تنهي القتال.
وتأتي التصريحات الروسية في وقت تكثف فيه طهران اتصالاتها مع الوسطاء، إذ غادر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الولايات المتحدة فجر اليوم، عائداً إلى طهران بعد سلسلة لقاءات ومشاورات عقدها على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.
وقبل مغادرته، التقى عراقجي بالوسيط القطري في إطار الاتصالات الرامية إلى إنهاء الصراع، مع استمرار قنوات الوساطة التي تقودها قطر وباكستان بين طهران وواشنطن.
وقال عراقجي إن إيران تنتظر تلقي رد أمريكي عبر الوسطاء بشأن المقترحات التي طرحتها خلال اجتماعات نيويورك، مشيراً إلى أن المحادثات مع الوسطاء اكتسبت طابعاً أكثر جدية بعد تقديم طهران أفكاراً جديدة لإنهاء الحرب.
وكانت إيران قد قدمت مقترحاً يتضمن خطة زمنية لوقف الأعمال القتالية، إلى جانب مطالب تتعلق بالإفراج عن أصول إيرانية مجمدة، وإنهاء العقوبات المفروضة على صادرات النفط، ورفع القيود المفروضة على الموانئ الإيرانية.
في المقابل، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفضه المقترح الإيراني، فيما نفى، في منشور على منصة “تروث سوشال”، تقارير تحدثت عن استعداده لتخفيف العقوبات عن طهران مقابل خطوات ملموسة بشأن برنامجها النووي، مؤكداً أنه لم يعرض على إيران شيئاً. ورغم رفض المقترح، أبقت واشنطن باب الاتصالات مفتوحاً عبر الوسطاء، في وقت قال فيه ترامب إن مسؤولين أمريكيين يجرون محادثات مع أطراف تسعى إلى إنهاء الحرب، وإنه يتوقع استمرار المفاوضات خلال الأيام المقبلة. وكان ترامب قد قال، الاثنين، إن الولايات المتحدة ستنتصر في الحرب مع إيران قريباً، مؤكداً أن النزاع سينتهي بطريقة أو بأخرى.
وبالتزامن مع الحراك الدبلوماسي، صعّد مسؤولون إيرانيون لهجتهم تجاه الولايات المتحدة ودول المنطقة، إذ قال رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف إن بلاده لن تتراجع أمام التهديدات أو الحصار، متوعداً برد وصفه بالحازم والسريع والدقيق على أي عدوان.
وحذر قاليباف من أن عدم ضمان أمن إيران سيؤثر في أمن البنية التحتية في المنطقة، كما ربط بين استمرار صادرات النفط الإيرانية وقدرة دول المنطقة على تصدير نفطها، في تصريحات تأتي على خلفية التوتر المتصاعد حول مضيق هرمز. وسبق لقائد الجيش الإيراني أمير حاتمي أن تحدث عن المضيق، محذراً من أن منع إيران من التجارة أو العيش سيقابل بإجراءات تمنع الآخرين من التجارة والمرور، في وقت يشكل فيه مضيق هرمز ممراً رئيسياً لصادرات الطاقة العالمية.
كما نقلت وسائل إعلام إيرانية عن رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى إبراهيم عزيزي قوله إن أي خطوة أمريكية تتعارض مع مصالح إيران وأمنها القومي ستواجه، بحسب تعبيره، رداً إيرانياً قاسياً.
وفي واشنطن، أكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن الإدارة تتعامل بجدية مع التهديدات الإيرانية باستهداف المصالح الأمريكية في أنحاء العالم، محذراً من تداعيات في حال تعرض أي من تلك المصالح لهجوم.
وقال روبيو إن الخلاف مع إيران، من وجهة نظر الإدارة الأمريكية، لا يتعلق بالبرنامج النووي وحده، بل بطبيعة النظام الإيراني وقدرته على تهديد المنطقة والقوات الأمريكية. كما أشار إلى مضيق هرمز، قائلاً إن حركة النفط عبره بدأت تقترب من مستويات ما قبل الحرب، في وقت لا تزال فيه أسواق الطاقة تتأثر بمخاطر استمرار الصراع.
من جهتها، نفت إيران السعي إلى امتلاك سلاح نووي، فيما تقول واشنطن إن منع طهران من امتلاك هذا السلاح يمثل أحد أهداف الحرب. ويأتي الجدل بشأن معاهدة عدم الانتشار في ظل ضغوط متزايدة على الملف النووي الإيراني، ما يجعل موقف طهران من المعاهدة أحد الملفات المطروحة ضمن أي مسار تفاوضي مقبل.
وفي هذا السياق، تبدو الاتصالات الدبلوماسية أمام اختبار صعب، إذ تتزامن محاولات الوسطاء لدفع الطرفين نحو التفاوض مع استمرار التصريحات المتبادلة والتهديدات المرتبطة بالطاقة والأمن والبرنامج النووي.
وبينما تتمسك موسكو ببقاء إيران ضمن معاهدة عدم الانتشار، تواصل طهران استخدام قنوات الوساطة للحصول على رد أمريكي بشأن مقترحاتها، في حين تؤكد واشنطن أن أي تسوية محتملة يجب أن تتعامل مع الملف النووي وقدرات إيران الإقليمية والأمنية.
وتبقى نتيجة الاتصالات مرهونة بالمواقف التي سيقدمها الطرفان خلال الأيام المقبلة، وسط استمرار الحرب والتوتر في منطقة الخليج، وعدم الإعلان حتى الآن عن اتفاق نهائي يضع حداً للصراع.