متابعة / المدى
تتصاعد احتمالات تجدد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، مع دراسة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تنفيذ ضربات واسعة تستمر عدة أيام، يرجح أن تبدأ عقب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في الثالث من تشرين الثاني المقبل، بالتزامن مع تحذيرات استخباراتية أميركية من وصول مخططات إيرانية لاستهداف مسؤولين ومواطنين أميركيين في الشرق الأوسط ودول أخرى إلى مراحل متقدمة، ما دفع واشنطن إلى رفع مستوى التأهب وتقليص أعداد العاملين في بعض بعثاتها الدبلوماسية.
وكشفت صحيفة «نيويورك تايمز»، السبت، نقلا عن مسؤولين أميركيين، أن الحكومة بدأت اتخاذ إجراءات أمنية إضافية لحماية موظفيها في المنطقة، بعدما تلقت معلومات استخباراتية تفيد بأن إيران كثفت استعداداتها لتنفيذ عمليات تستهدف أميركيين.
وبحسب الصحيفة، وجه مدير الاستخبارات الأميركية جاي كلايتون مذكرة إلى وزير الخارجية ماركو روبيو، الجمعة، حذر فيها من تصاعد المخاطر التي تواجه موظفي وزارة الخارجية والمسؤولين الأميركيين، مشيرا إلى أن التخطيط لعمليات قاتلة ضد مواطنين أميركيين وصل إلى مراحل متقدمة في الشرق الأوسط وبعض الدول الأخرى.
وأكد مسؤول أميركي صدور المذكرة، فيما أوضح مسؤولون أن الأجهزة الاستخباراتية تقيّم مستوى التهديد بأنه الأعلى منذ اندلاع الحرب في شباط الماضي، مع وجود معلومات عن أهداف محتملة في أوروبا، واحتمال نشاط عناصر إيرانية داخل الولايات المتحدة.
وأشار أحد المسؤولين إلى أن ترمب وكبار مساعديه يتلقون إحاطات منتظمة بشأن هذه التهديدات، وأن محللين استخباراتيين أمضوا الأسابيع الثلاثة الماضية في مراجعة معلومات تتعلق باستهداف مسؤولين أميركيين، بينهم سفراء. لكن مسؤولا آخر حذر من المبالغة في تقدير قدرة إيران على تنفيذ هجمات خارج حدودها، معتبرا أن طموحاتها قد تتجاوز إمكاناتها الفعلية.
وتزامنت التحذيرات مع تقارير عن استعدادات أميركية وإسرائيلية لاستئناف العمليات العسكرية ضد إيران. ونقلت مجلة «ذا أتلانتيك» عن مسؤولين أميركيين أن ترمب يدرس حملة جوية تستمر عدة أيام، تستهدف القدرات العسكرية والاقتصادية الإيرانية، وسط تقديرات داخل إدارته بأن الضغوط المتراكمة قد تدفع طهران إلى تقديم تنازلات كبيرة أو تعرض النظام للانهيار.
وقال ترمب للصحافيين قبل مغادرته البيت الأبيض إلى فلوريدا: «يمكننا إنهاؤها بسرعة كبيرة… والسؤال هو: هل نريد حسم الصراع أم نتركه يتلاشى؟»، قبل أن يشير إلى احتمال تنفيذ عملية عسكرية جديدة، بعدما أعلن الأربعاء أن «شيئا ما، بطريقة أو بأخرى، سيحدث قريباً إلى حد ما».
بدوره، لم يستبعد الموفد الأميركي والسفير لدى تركيا توم باراك تنفيذ ضربة خلال عطلة نهاية الأسبوع، لكنه أكد استمرار انفتاح واشنطن على الاتفاق مع طهران. وقلل ترمب لاحقا من أهمية تصريحاته، مؤكدا أنه لا يعلم بخطة من هذا النوع.
وتكشف المناقشات داخل الإدارة الأميركية عن مقاربتين للتعامل مع إيران؛ إذ يرى وزير الخزانة سكوت بيسنت أن الحصار البحري والعقوبات الاقتصادية يمكن أن يجبرا طهران على تقديم تنازلات تفاوضية، بينما يدفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو باتجاه ضربات أميركية وإسرائيلية مكثفة تستهدف إسقاط النظام. وكان نتنياهو قد أعلن، الأربعاء، أن إسقاط النظام الإيراني يمثل السبيل الوحيد، من وجهة نظره، لإزالة التهديد الإيراني نهائيا، مشيرا إلى إصدار توجيهات بهذا الشأن إلى الجيش والموساد والأجهزة الأمنية. في المقابل، أكد باراك أن تغيير النظام ليس هدفا أميركيا معلنا، محذرا طهران من عواقب استمرار تهديد حلفاء واشنطن. وبحسب «ذا أتلانتيك»، كان ترمب يأمل عودة إيران إلى المفاوضات قبل انتخابات الكونغرس، لكن استمرار الجمود الدبلوماسي وارتفاع أسعار الطاقة، وما يرافقهما من ضغوط انتخابية على الجمهوريين، دفعاه إلى مراجعة استراتيجية الخنق الاقتصادي.
وأشارت المجلة إلى أن الرئيس الأميركي بحث تنفيذ ضربات قبل الانتخابات، إلا أن اعتراضات جمهورية دفعته إلى التعهد بتأجيل أي هجوم إلى ما بعد الاقتراع. ويؤكد مسؤولون أن القرار النهائي لم يتخذ بعد، وأن الغموض بشأن توقيت التحرك العسكري يمثل جزءا من الضغط على طهران.
وأفادت «نيويورك تايمز» بأن الجيشين الأميركي والإسرائيلي أعدا خططا لعملية «قصيرة لكن مكثفة»، قد تستمر ثلاثة أيام، وتشمل أهدافها المنشآت النووية وترسانة الصواريخ والطائرات المسيّرة والبنية التحتية للطاقة، وربما موقع «جبل الفأس» النووي.
وأضافت أن الحشد العسكري الأميركي، الذي يضم ثلاث حاملات طائرات وآلافا من مشاة البحرية ومقاتلات ووحدات عمليات خاصة، لن يكتمل قبل أوائل تشرين الثاني، فيما سبق أن أرجأ ترمب ضربة مقررة مطلع تشرين الأول.
وجاءت زيارة وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث إلى إسرائيل ولقاؤه نتنياهو ضمن مؤشرات التنسيق العسكري، فيما أفاد موقع «أكسيوس» بأن عشرات المقاتلات الإسرائيلية وطائرات التزود بالوقود حلقت، الاثنين، عبر الأجواء السورية والعراقية حتى الحدود الإيرانية، قبل عودتها.
اقتصاديا، تراهن واشنطن على تأثير الحصار والعقوبات والضربات السابقة في إضعاف إيران، بعدما تراجعت صادرات النفط وارتفع التضخم وانخفضت قيمة الريال. وقال قائد القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال براد كوبر، إن الحصار حرم طهران من تصدير نفط خام بقيمة لا تقل عن 25 مليار دولار.
كما فرضت وزارة الخزانة الأميركية، الأربعاء، عقوبات على شبكات شحن ووسطاء تتهمهم بمساعدة إيران على تمويل برامجها العسكرية والنووية.
لكن «ذا أتلانتيك» أشارت إلى أن الضغوط الاقتصادية لم تحقق تغييرا جوهريا في الموقف التفاوضي الإيراني، وأن الأدلة على اقتراب انهيار النظام محدودة.
وحذر ضابط الاستخبارات الإسرائيلي السابق داني سيترينوفيتش من افتراض إمكانية إنهاء الحرب خلال ثلاثة أيام، مؤكدا أن مدة المواجهة تتوقف أيضا على طبيعة الرد الإيراني، الذي يصعب التحكم فيه.
وفي طهران، أعلن قائد الجيش الإيراني أمير حاتمي استعداد بلاده لخوض «حرب غير متكافئة»، مهددا باستهداف سفن «العدو» في بحر عمان. كما حذر «الحرس الثوري» من استهداف القوات الأميركية التي ترافق السفن عبر مضيق هرمز، وهدد بتوسيع المواجهة إلى القواعد الأميركية في المنطقة.
وأعلن «الحرس الثوري» إصابة سبع ناقلات نفط بضربات وألغام بحرية، دون تقديم أدلة مستقلة، فيما لوح المتحدث باسمه حسين محبي باستهداف سبعة كابلات رئيسية للألياف الضوئية تمر تحت المضيق. في المقابل، اتهم ترمب إيران بترويج روايات عن استهداف السفن بهدف رفع أسعار النفط قبل الانتخابات، مؤكدا أن كميات النفط العابرة لهرمز تتجاوز مستويات ما قبل الحرب. ومع استمرار الاستعدادات العسكرية والتحذيرات الاستخباراتية، تواجه واشنطن حسابات معقدة تتعلق بحماية قواتها ودبلوماسييها، والضغط على طهران للعودة إلى المفاوضات، والتعامل مع المطالب الإسرائيلية بإسقاط النظام، وسط مخاوف من أن تؤدي الضربات الجديدة إلى مواجهة إقليمية تتجاوز مدتها وحدودها التقديرات الأميركية.