متابعة / المدى
تحولت ضربة روسية استهدفت مستودعا للذخيرة قرب العاصمة الأوكرانية كييف إلى قضية داخلية تتجاوز تداعيات القصف نفسه، بعدما حمّل سكان محليون مسؤولين أوكرانيين جزءا من مسؤولية الخسائر البشرية، متسائلين عن أسباب تخزين كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر على مسافات قريبة من المنازل والمنشآت المدنية.
وبحسب تقرير لصحيفة «الغارديان» البريطانية، ارتفعت حصيلة الضربة التي استهدفت مستودع ذخيرة في قرية ميلا، على بعد نحو 24 كيلومترا من وسط كييف، إلى 38 قتيلا، فيما لا يزال أربعة أشخاص في عداد المفقودين.
وجاءت الضربة بواسطة طائرة مسيرة روسية نفاثة، وأعقب الانفجار الأول سلسلة انفجارات استمرت، بحسب شهود، نحو ست ساعات، ما أدى إلى تضرر منازل وممتلكات السكان وانتشار ذخائر ومقذوفات في المناطق المحيطة بالمستودع. وأثارت الكارثة أسئلة داخل القرية بشأن الجهة التي قررت استخدام الموقع لتخزين الذخائر، خصوصا أن 30 من الضحايا كانوا في دار للرعاية تقع بالقرب من المستودع.
وقالت فيرا، وهي من سكان القرية وتبلغ 65 عاما: «المسؤولون عن إقامة المستودع هنا يتحملون المسؤولية. الناس يعيشون هنا، وهذه قرية. لا يمكن الاحتفاظ بشيء كهذا هنا».
وظلت فيرا وابنها سيرهي مختبئين لساعات في ملجأ صغير بجوار منزلهما، بينما كانت الانفجارات تتوالى في المنطقة. ويقول سيرهي إن السكان لم يكونوا يعرفون بوجود ذخائر مخزنة في الموقع.
وأضاف: «كنت أعتقد أن ما يخزن هناك هو مساعدات إنسانية».
وتكشف الأضرار التي لحقت بمنزل العائلة حجم الانفجارات التي أعقبت الضربة. وبعد توقفها، عثر سيرهي داخل ممتلكاته على غلاف صاروخ من راجمة «غراد»، إضافة إلى ألغام وذخائر عنقودية، بحسب روايته. وأزالت فرق الطوارئ جانبا منها، فيما ظلت صناديق ذخيرة وأعيرة نارية تظهر بين أنقاض المنازل والأراضي المحيطة. أما فولوديمير، وهو حارس أمن يبلغ 61 عاما، فقد فقد منزله جزءا من سقفه وتحطمت نوافذه الخلفية، فيما تعرضت حديقته لأضرار واسعة. ويقع موقع المستودع على مسافة نحو 300 متر من منزله.
وكان فولوديمير يعمل ليلة الهجوم في ساحة للأخشاب قريبة من مخزن الذخيرة، ونجا من الضربة الأولى، قبل أن يعود إلى منزله. وخلال اليومين التاليين ظل يتردد على المنطقة المدمرة، قائلا: «منذ يومين وأنا أعود إلى هنا لأرى هذا الرماد».
وتصف «الغارديان» الطريق المؤدي إلى المستودع بأنه يمر عبر مناطق محترقة تنتشر فيها الرصاصات وصناديق الذخيرة، فضلا عن لغم مضاد للدبابات انفجر بالفعل. وفي نهاية الطريق تظهر مساحة واسعة من الدمار حيث كانت منشآت التخزين قائمة، بينما تستمر بين حين وآخر أصوات انفجارات يرجح أن بعضها ناجم عن عمليات تفجير مسيطر عليها تنفذها فرق الطوارئ. واضطرت فرق الإنقاذ إلى تعليق جانب من أعمالها مؤقتا بسبب رصد تهديد جديد بطائرات مسيرة في الأجواء.
تحقيق بشأن موقع المستودع
موقع تخزين الذخيرة أصبح الآن موضع تحقيق جنائي تجريه أجهزة الاستخبارات الأوكرانية، وسط تساؤلات بشأن المعايير التي سمحت بوضع المستودع على هذه المسافة من التجمعات السكنية.
وتكتسب القضية حساسية إضافية لأنها تكرر حوادث شهدتها أوكرانيا خلال الأسابيع الأخيرة، إذ كثفت روسيا عمليات استهداف المستودعات والمنشآت اللوجستية، بينما كشفت بعض الضربات وجود مخازن ذخيرة في مناطق قريبة من السكان.
وتشير الصحيفة إلى حادث مماثل وقع في أوائل تموز الماضي في فيشنيفي على أطراف كييف، على بعد نحو 14 كيلومترا جنوب شرقي موقع الحادث الأخير.
وقتل تسعة أشخاص آنذاك بعدما تعرض مخزن للذخيرة لضربة، كما تضرر نحو 280 منزلا. واحتجزت السلطات شخصين للاشتباه بمسؤوليتهما عن السماح بتخزين الأسلحة في موقع غير ملائم.
وأقر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، السبت، بتكرار حادث مشابه، في وقت تواجه فيه كييف تصاعدا في وتيرة الهجمات الروسية، بما فيها الضربات التي تستهدف منشآت التخزين والإمداد والخدمات اللوجستية.
«وضعوها عند أبواب الناس»
بالنسبة إلى سكان ميلا، أعاد الهجوم طرح مسألة حماية المدنيين من المنشآت العسكرية الموجودة داخل المناطق المأهولة أو بالقرب منها.
ليودميلا، التي كانت ابنتها البالغة داخل منزل يقع على بعد بضعة أبواب من موقع الضربة، ربطت ما حدث بالحادث السابق في فيشنيفي.
وقالت وهي تقف قرب منزلها المتضرر: «انظروا إلى ما يحدث هنا. كل شيء تحطم. ما حدث في فيشنيفي لم يكن كافيا لهم، وحدث شيء مشابه في مكان آخر أيضا. لقد وضعوا كل هذا بجوار حدائق الناس، وعند أبواب منازلهم».
وحذرت من أن بعض الذخائر ما زالت متناثرة في المنطقة ولم تتمكن فرق الطوارئ من إزالتها جميعا حتى الآن.
ويكشف موقف السكان عن غضب يتحرك في اتجاهين: روسيا التي تنفذ الضربات، والجهات الأوكرانية التي اختارت مواقع تخزين الذخائر قرب التجمعات السكنية.
وعندما سئلت ليودميلا عمن تتحمل مسؤولية القتلى والدمار في ميلا، أجابت باختصار:
«بوتين! من غيره؟ وكذلك الذين أقاموا المستودع هنا».