هذه المرّة لم يوقظه شيء.. لا صوت المنبه الذي يرن بنغمة نقار الخشب كل صباح، ولا الكوابيس التي تشبه روايات الجيب: قصيرة وبنهايات حاسمة، لم يوقظه شيء حتى صوت ارتطام كرة القدم مدويةً على باب المرآب،
حين كان يفتح النافذة على مصراعيها متذمراً من الأولاد الذين سرعان ما كانوا يحدقون في وجهه.. وبدون كلمات تحط على ملامحهم الصغيرة نظرة اعتذار.. يبادلهم بابتسامة؛ لأنه يدرك أنها الأجيال التي باتت مؤمنة باللعب الجماعي، حتى لو كان في حيز ضيق على الأسفلت، لم يوقظه حتى صوت الضجيج الذي لا يتوقف -خاصة عندما يتدخل الكبار للعب قليلاً، ملوحين بأيديهم على طريقة ماجد عبدالله كلما أحرز هدفاً.. ولا صوت كوابح السيارات وهي تنعطف بسرعة مخلفةً ضوءاً ينعكسُ على شباك غرفته كأنها لقطة في فيلم.
لم يستيقظ من بقايا القهوة في دمه ليصاب كالعادة بنوبة أرق!
ولا من محاولاته في تعديل لحظة سابقة من الحياة، لم يستيقظ من هاتف المندوب الذي يخبره في كل مرّة عن حالة الطقس والجيران، وعدد القتلى في شريط الأخبار.. وعن الطعام طويل الأجل، الذي نفدت كميّته آخر مرة.
لم يستيقظ.. هذه المرّة غيّر الخطة تماماً، ونام إلى الأبد..
سائق الحافلة
لأن الحياة أخذته إلى طرق جانبية طيلة العمر، ولأن الكوابحَ ماعادت تكفي، كي يختار طريقاً مثالياً.. بالكادِ يمرّ من شارع خالد الواسع..
لانه حين تظهرُ حارتهُ القديمة خضراءَ مثل حقل.. عبر خرائط «قوقل»،
يُفضِّل الحنينَ على الاختصار، يفضّل أن يمرّ بالقربِ من حكايات طالما سمعها من أمّه، الحكاياتُ التي تمنحهُ في كل مرّة معنى جديداً للطرقات والعابرين..
وفي المرّة التي أخذهُ الطريقُ إجبارياً بسببِ الإصلاحات إلى منعطفاتٍ جديدة..
قادَ حافلتهُ بتهور، وبثقلٍ كأنهُ في عبءِ السفر.. كأن شيئاً خطفَ منهُ الذاكرة..
وكأن النيون المضيء المتوزع في المتاجر.. يتقصدهُ خطوةً خطوةً.. ينعكسُ على وجههِ مثل لقطةِ كاميرا.. يغمضُ عينيهِ برهة.. يفتحهما على أمكنة يشاهدها لأولِ مرّة.. يهتزُ يقينهُ بالأمكنةِ.. هو الذي عرف بيوتها القديمة..
طالما توقف ليَنزل راكبٌ، أو ليَصعدَ آخر..
البيوتُ القديمةُ: عرف أطفالها الذين طالما لوحوا من شباك الحافلة وهم يتخيلون قصصاً للمارين، أو يرسمون خيالاتهم على زجاج النافذة..
خيالات جعلتهم شعراءَ فيما بعد..
حتى الذين كانوا صغاراً، الذين يدلقون ألسنتهم للعربات الصغيرة..
إيماناً منهم بالحكمة: «السمكة الصغيرة لا تؤكل لأنها أخطأت، بل لأنها ضعيفة».. عرفهم واحداً واحداً..
كان صادقاً، حين أخبرنا آخر مرّة أنه لم يعد قادراً على تمييز يوم الإجازة من غيرهِ؛ لذا لمْ نرهُ مُجدَدَاً..