متابعة/المدى
فتحت الولايات المتحدة مساراً اقتصادياً جديداً في المواجهة مع إيران، عبر حملة عقوبات واسعة أعلنتها إدارة الرئيس دونالد ترمب في 24 آب/أغسطس، تستهدف شبكات اقتصادية مرتبطة بطهران، بالتوازي مع التلويح بفرض عقوبات ثانوية على الدول والشركات التي تواصل التعامل التجاري معها.
ويضع هذا التصعيد واشنطن أمام معادلة أكثر تعقيداً من مجرد تشديد العقوبات على إيران، إذ تمثل الصين الشريك الاقتصادي الأبرز لطهران والمشتري الأكبر لنفطها، ما يجعل قدرتها على مواصلة التجارة مع إيران عاملاً حاسماً في مدى نجاح المساعي الأمريكية لعزل الاقتصاد الإيراني.
ووصف وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت الاستراتيجية الجديدة بأنها تستهدف عزل إيران اقتصادياً ودفعها نحو إنهاء الصراع. غير أن تنفيذ هذا الهدف يصطدم بالموقف الصيني الرافض للعقوبات الأمريكية أحادية الجانب، وبمصالح بكين الاقتصادية والاستراتيجية المرتبطة بإيران.
وقبل الإجراءات الأمريكية الأخيرة وتعطل جزء من حركة الشحن الإيرانية، كانت الصين تستحوذ على أكثر من 80% من صادرات النفط الإيرانية، فيما تجاوزت وارداتها في بعض الفترات 1.5 مليون برميل يومياً. ورغم تراجع التدفقات النفطية منذ ذلك الحين، تواصل المصافي الصينية المستقلة شراء الخام الإيراني عبر شبكات تجارية معقدة، تعتمد في بعض الحالات على العملة الصينية لإتمام المعاملات وإخفاء مصدر الشحنات.
وتدرك الإدارة الأمريكية حجم هذا التحدي، لذلك شملت العقوبات الأخيرة كيانات مرتبطة بالصين، لكنها تجنبت حتى الآن توجيه ضربة واسعة إلى المؤسسات المالية الصينية الكبرى، وهي الخطوة التي يمكن أن تحمل تداعيات تتجاوز الملف الإيراني.
وتتمتع الصين بأهمية خاصة في هذه المواجهة، ليس فقط بسبب حاجتها إلى النفط الإيراني، وإنما بسبب موقفها المبدئي من العقوبات الأمريكية. فقد دأبت بكين على رفض العقوبات أحادية الجانب، معتبرة أن الدول لا ينبغي أن تُجبر على تنظيم تجارتها الخارجية وفق قرارات صادرة عن واشنطن.
كما ترتبط المسألة بحسابات استراتيجية أوسع لدى الصين؛ إذ إن قبولها بإملاءات أمريكية بشأن التجارة مع إيران قد يخلق سابقة يمكن استخدامها مستقبلاً ضد تعاملاتها مع روسيا أو دول أخرى تخضع لعقوبات أمريكية.
وأعلنت بكين أن تعاونها الاقتصادي مع إيران مشروع، مؤكدة استعدادها لحماية مصالحها، في رسالة تعكس استعداداً لتعديل بعض الأنشطة التجارية عند الضرورة لتقليل مخاطر العقوبات، من دون القبول بالمبدأ الذي يمنح واشنطن، من وجهة نظرها، حق تحديد علاقاتها الاقتصادية الخارجية.
معادلة صعبة أمام ترمب
وتضع هذه المعطيات الرئيس الأمريكي أمام خيار معقد. فزيادة الضغط على المصافي الصينية يمكن أن تؤدي إلى خفض الإيرادات النفطية الإيرانية ورفع كلفة وصول الخام إلى الأسواق، لكن توسيع العقوبات لتطال مؤسسات مالية صينية كبرى أو شركات مملوكة للدولة أو قطاعات استراتيجية قد يفتح جبهة اقتصادية أوسع بين واشنطن وبكين.
ولهذا استهدفت الحزمة الأخيرة كيانات مرتبطة بالصين، مع تجنب استهداف شامل للمؤسسات المالية الكبرى فيها. ويطرح ذلك تساؤلاً حول قدرة واشنطن على عزل إيران اقتصادياً من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع الصين، خصوصاً في وقت يسعى فيه ترمب إلى إبقاء العلاقة الاقتصادية مع بكين ضمن حدود تسمح بمواصلة المفاوضات مع الرئيس الصيني شي جين بينغ.
وتزداد حساسية المعادلة مع رغبة واشنطن في استخدام الضغط الاقتصادي على طهران، من دون التضحية بمصالحها الأوسع في العلاقة مع الصين. فإجبار بكين على المشاركة الكاملة في عزل إيران قد يحقق ضغطاً إضافياً على طهران، لكنه في المقابل قد يدفع نحو مواجهة اقتصادية أمريكية-صينية جديدة.
الضغط لا يعني بالضرورة الاستسلام
ورغم قدرة العقوبات الأمريكية على إلحاق أضرار كبيرة بالاقتصاد الإيراني، فإن التجربة السابقة تشير إلى أن الضغط الاقتصادي لا يقود تلقائياً إلى تغيير سياسي. فقد تمكنت طهران على مدى عقود من تطوير وسائل للتكيف مع العقوبات، من خلال شبكات التجارة غير الرسمية والوسطاء وآليات الدفع البديلة وبيع النفط بأسعار مخفضة.
وأدت العقوبات والحصار الأمريكي واضطراب حركة الملاحة بالفعل إلى تراجع صادرات النفط الإيرانية، فيما ألحقت الحرب أضراراً بالبنية التحتية للطاقة وزادت صعوبة الوصول إلى العملات الأجنبية. كما تراجعت عروض النفط الإيراني للمشترين الصينيين مع ارتفاع مخاطر النقل.
لكن استمرار الصين في شراء كميات، حتى وإن كانت محدودة، من النفط الإيراني يمكن أن يوفر لطهران مصدراً مهماً للعملة الصعبة، ويمنع الوصول إلى حالة اختناق اقتصادي كامل. ومن هنا يبرز الفارق بين إضعاف الاقتصاد الإيراني وبين دفع الحكومة الإيرانية إلى الاستسلام السياسي.
العقوبات تكشف حدود النفوذ الأمريكي
وتتحول المواجهة تدريجياً إلى اختبار أوسع للقوة الاقتصادية الأمريكية، التي تستند بدرجة كبيرة إلى مركزية الدولار والأسواق والمؤسسات المالية الأمريكية. وتسمح العقوبات الثانوية لواشنطن باستغلال اعتماد الشركات العالمية على هذه المنظومة، ودفعها إلى المفاضلة بين استمرار تعاملاتها مع الدول الخاضعة للعقوبات والحفاظ على وصولها إلى النظام المالي الأمريكي.
لكن الصين تمتلك أدوات تمكنها من مقاومة هذا الضغط بدرجة أكبر من معظم الدول، بينها سوق محلية ضخمة، وعملة وطنية، ومؤسسات مالية وقاعدة صناعية واسعة، إلى جانب شبكة متنامية من العلاقات التجارية والاقتصادية.
وقد يؤدي تكرار استخدام العقوبات الأمريكية ضد الشركات الصينية إلى زيادة حوافز بكين لتطوير آليات مالية وتجارية تقلل اعتمادها على البنية التحتية التي تقودها الولايات المتحدة.
وهنا تظهر مفارقة أساسية في السياسة الأمريكية؛ فكلما زادت واشنطن من استخدام قوتها الاقتصادية لإجبار الصين على تطبيق عقوباتها ضد إيران، ارتفع احتمال تسريع نشوء أنظمة مالية وتجارية بديلة وأكثر استقلالاً عن النظام الذي تقوده الولايات المتحدة.
بكين قد تختار التعاون الانتقائي
ولا تبدو الصين مضطرة إلى الاختيار بين القطيعة الكاملة مع إيران والمواجهة المباشرة مع واشنطن. فقد تتجه إلى ما يمكن وصفه بالتعاون الانتقائي، عبر تقليص تعرض بعض شركاتها للعقوبات، وتشديد الرقابة على معاملات محددة، مع الإبقاء على قنوات اقتصادية أخرى وعدم الاعتراف بشرعية العقوبات الأمريكية الثانوية.
كما يمكن لبكين أن تدعم المسار الدبلوماسي لإنهاء الصراع، مع الحفاظ في الوقت ذاته على علاقاتها مع طهران ومصالحها الاقتصادية معها.
وفي هذه الحالة، قد تحقق واشنطن نجاحاً جزئياً يتمثل في خفض عائدات إيران النفطية وزيادة كلفة تجارتها الخارجية، لكنها ستواجه صعوبة أكبر في تحويل هذا الضغط الاقتصادي إلى استسلام سياسي إذا بقيت للصين قدرة على توفير منفذ اقتصادي لطهران.
وبذلك، لا يتمثل الاختبار الحقيقي لسياسة ترمب في قدرة الولايات المتحدة على فرض العقوبات على إيران، فهذه القدرة لا تزال كبيرة، وإنما في مدى قدرتها على دفع الصين إلى تطبيق تلك العقوبات رغم تعارضها مع مصالح بكين الاقتصادية والاستراتيجية.
فإذا اختارت الصين عدم الانصياع الكامل، فإن المواجهة ستكشف حدود القوة الاقتصادية الأمريكية في نظام دولي تتزايد فيه قدرة بكين على مقاومة الضغوط والحفاظ على خياراتها الاقتصادية المستقلة.