متابعة / المدى
عاد اليمن خلال الأيام الأخيرة إلى قلب الصراع الإقليمي، بعد سنوات من الهدوء النسبي الذي أعقب هدنة 2022، مع تقدم سريع لجماعة أنصار الله، المعروفة بالحوثيين، على الساحل الغربي وسيطرتها على مدينة المخا ومواقع وجزر استراتيجية قرب مضيق باب المندب، بالتزامن مع هجمات واسعة استهدفت مناطق ومنشآت في جنوب السعودية، ما أعاد إلى الواجهة السؤال المتعلق بحدود المشروع الحوثي المحلي وحجم النفوذ الإيراني في قرارات الجماعة.
وحذر المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، في 10 أيلول، من أن خطر العودة إلى نزاع واسع النطاق، الذي ظل يحذر منه طوال الأشهر الماضية، تحول إلى «واقع قاس».
ويعيد هذا التطور طرح سؤال ظل ملازما للحرب اليمنية منذ سنوات: أين ينتهي المشروع الحوثي المحلي وأين يبدأ المشروع الإيراني؟
تنطلق مادة بحثية بعنوان «ما حقيقة الحركة الحوثية وسيطرة إيران في اليمن؟» من رفض تفسير الصراع اليمني كله من بوابة النفوذ الإيراني، وتتعامل مع الحوثيين بوصفهم حركة نشأت داخل ظروف يمنية محددة، قبل أن تتطور إلى قوة أصولية مسلحة استثمرت انهيار الدولة والصراع السياسي والاجتماعي الذي أعقب انتفاضة 2011. وتشير الدراسة إلى أن سيطرة الجماعة على صنعاء ومؤسسات الدولة عام 2014 شكلت نقطة تحول في طبيعة الحركة وموقعها داخل البلاد.
وتعود جذور الحركة إلى البيئة الزيدية في شمال اليمن، وقد خاضت منذ عام 2004 سلسلة من الحروب مع نظام علي عبد الله صالح، قبل أن تدخل مرحلة مختلفة بعد انتفاضة 2011 وانهيار التوازنات القديمة للدولة.
ومن هذه البيئة، انتقلت الجماعة تدريجيا من حركة محلية متمركزة في صعدة إلى تنظيم عسكري وسياسي يمتلك مشروعا للسلطة. وفي أيلول 2014 سيطرت على صنعاء، ثم تمددت داخل أجهزة الدولة والقوات المسلحة، وأصبح مشروعها يتجاوز الدفاع عن منطقة أو جماعة مذهبية إلى إعادة تشكيل الدولة اليمنية نفسها.
وتطرح المادة البحثية أن تفسير الحوثيين من خلال إيران وحدها يحجب الجذور الاجتماعية والسياسية الداخلية لصعودهم، فيما يتجاهل اعتبار الجماعة حركة مقاومة للنفوذ الخارجي طبيعة السلطة التي بنتها في المناطق الواقعة تحت سيطرتها. وتصف المادة الحركة بأنها أصولية ذات بنية أيديولوجية وسلطوية خاصة بها، استخدمت القوة للسيطرة على مؤسسات الدولة وإقصاء خصومها.
ومع ذلك، فإن الأصل اليمني للحركة لا يلغي التحول الكبير الذي طرأ على علاقتها بإيران. فمع توسع الحرب، تطورت العلاقة من تقارب سياسي وأيديولوجي إلى شبكة دعم عسكري وتقني ولوجستي.
ووفقا لتقارير أممية سابقة، ساهم الدعم القادم من الحرس الثوري الإيراني، إلى جانب حزب الله وشبكات مرتبطة بمحور طهران، في نقل القدرات الحوثية إلى مستوى أكثر تطورا، خصوصا في الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والقدرات البحرية.
وأصبحت الجماعة التي كانت تقاتل الجيش اليمني في جبال صعدة قادرة، خلال عقدين، على ضرب أهداف على بعد مئات وآلاف الكيلومترات، وتهديد السفن في البحر الأحمر، والتأثير في حركة التجارة والطاقة الدولية.
لكن العلاقة لا تبدو مطابقة لنموذج القيادة والسيطرة المباشرة، إذ تصف تحليلات حديثة تناولت العلاقة الحوثية الإيرانية هذه الصلة بأنها «شراكة غير متكافئة»، توفر فيها طهران السلاح والخبرة والتكنولوجيا والغطاء السياسي والشبكة الإقليمية، فيما تحتفظ قيادة الحوثيين بهامش للمناورة تحدده حساباتها داخل اليمن. ويجعل ذلك العلاقة أكثر تعقيدا من صيغة الأوامر الإيرانية والتنفيذ الحوثي المباشر.
وتمنح أحداث أيلول 2026 هذا النقاش أهمية أكبر. فخلال الأسبوع الجاري، انتقلت قوات الحوثيين بسرعة على الساحل الغربي وسيطرت على المخا، القريبة من باب المندب، ثم توسعت باتجاه مواقع وجزر استراتيجية عند مدخل البحر الأحمر. وبحسب المعطيات الواردة في المادة، تمكن الحوثيون من السيطرة على جزيرة ميون «بريم»، الواقعة في قلب المضيق، بعد انسحاب القوات الحكومية منها.
وقبل ذلك، شن الحوثيون، في 8 أيلول، موجة من الهجمات بالصواريخ والمسيّرات على مواقع في جنوب السعودية، شملت أبها وجازان وخميس مشيط ونجران، وأدت، بحسب التقارير المتاحة، إلى إصابة عشرات الأشخاص وتعطيل مؤقت لبعض منشآت الطاقة.
ونقلت رويترز، في 10 أيلول، عن مصادر يمنية وإيرانية وإقليمية أن أسلحة ومشورة إيرانية ساعدت الحوثيين في تقدمهم الأخير، وأن عناصر من الحرس الثوري قدمت توجيها مرتبطا بالعمليات على الساحل الغربي. وتقدم هذه الرواية، إلى جانب التحالف العسكري والسياسي القائم منذ سنوات، مؤشرا إلى أن طهران تنظر إلى الجبهة اليمنية باعتبارها جزءا من صراعها الإقليمي الأوسع.
ومع ذلك، يبقى إثبات أن كل قرار عملياتي حوثي يصدر مباشرة من طهران مسألة مختلفة، إذ تنفي إيران ذلك، بينما تشير خبرة السنوات الماضية، وفق المادة، إلى قدرة قيادة الجماعة على توظيف علاقتها بطهران لخدمة أهداف يمنية خاصة بها.
ويبرز التحول الأهم في الجغرافيا. فالسيطرة على صنعاء تمنح الحوثيين سلطة داخل اليمن، فيما يمنحهم الاقتراب من التحكم الفعلي بمداخل باب المندب اليمنية ثقلا يتجاوز حدود البلاد. ويربط المضيق خليج عدن بالبحر الأحمر، ومنه إلى قناة السويس والبحر المتوسط، ويشكل أحد أهم شرايين التجارة والطاقة في العالم.
وكان الحوثيون قادرين منذ 2023 على مهاجمة السفن من المناطق التي يسيطرون عليها على ساحل البحر الأحمر. ولا يخلق تقدمهم الجديد هذه القدرة من الصفر، لكنه يوسع نطاقها ويعزز سيطرتهم الجغرافية على الساحل والجزر القريبة من الممر البحري.
وتزداد أهمية ذلك في البيئة الإقليمية الحالية، إذ يصبح امتلاك حليف لإيران قدرة كبيرة على تعطيل باب المندب عاملا استراتيجيا يتجاوز اليمن نفسه، وهو ما يفسر القلق السعودي والدولي المرتبط بالطاقة والملاحة الدولية وموازين القوة في المنطقة.
في المقابل، يحقق الحوثيون مكاسب مباشرة من التصعيد. فتقدمهم العسكري يكشف ضعف المعسكر المناهض لهم، ويوسع مناطق نفوذهم، ويقوي موقعهم في أي مفاوضات مستقبلية، ويحول الجماعة من سلطة أمر واقع في شمال غرب اليمن إلى لاعب يستطيع التأثير في واحدة من أهم طرق التجارة العالمية.
ويكشف ذلك عن تداخل المصالح بين الحوثيين وإيران في العملية العسكرية نفسها. فإيران تحصل على قوة حليفة قادرة على الضغط على خصومها من جنوب الجزيرة العربية وتهديد البحر الأحمر، فيما يحصل الحوثيون على دعم عسكري وتقني وسياسي يساعدهم في مشروع السيطرة داخل اليمن، ويمنحهم الصراع الإقليمي شرعية تعبوية تتجاوز حدود النزاع الداخلي.
وعليه، تبدو العلاقة أقرب إلى تداخل مشروعين: مشروع إيراني إقليمي، ومشروع حوثي يمني يسعى إلى تثبيت سلطة دائمة وإعادة ترتيب الدولة لمصلحته.
وفي خضم الصراع على باب المندب والسعودية وإيران، يبقى اليمن الأكثر تعرضا للخسارة. فالبلاد لم تتعاف من حرب استمرت أكثر من عقد، وما زالت مؤسساتها منقسمة بين سلطات متعددة، فيما يعيش ملايين اليمنيين تحت وطأة أزمة اقتصادية وإنسانية عميقة.
وتشير الأمم المتحدة إلى أن مرحلة الهدوء النسبي التي أعقبت هدنة 2022 مهددة بالانهيار. وقال غروندبرغ أمام مجلس الأمن إن القتال تصاعد على عدة جبهات، خصوصا الساحل الغربي، محذرا من التداعيات على المدنيين وعلى فرص التسوية السياسية.
وتلتقي التطورات الجديدة مع الفكرة المركزية التي تطرحها المادة البحثية، ومفادها أن تحويل اليمن إلى ساحة لتصفية الصراعات الإقليمية لا يفسر وحده الأزمة اليمنية، فيما يسمح استمرار انهيار الدولة للقوى الخارجية بتوسيع نفوذها. فالحوثيون يمتلكون جذورا ومصالح ومشروعا محليا، وإيران تمتلك تأثيرا عسكريا وسياسيا حقيقيا عليهم، وتلتقي مصالح الطرفين اليوم عند نقطة شديدة الحساسية هي باب المندب. ومن هنا يتجاوز السؤال صيغة «هل تحكم إيران اليمن؟» إلى سؤال أكثر دقة: إلى أي مدى أصبح المشروع الحوثي الداخلي مرتبطا بالبنية العسكرية والاستراتيجية الإيرانية بحيث يصعب الفصل بينهما؟
وتقدم التطورات الأخيرة جزءا من الإجابة. فقد أثبت الحوثيون أنهم قوة يمنية تمتلك حساباتها الخاصة، وفي الوقت نفسه أصبحت قوتهم العسكرية المتنامية أحد أبرز عناصر النفوذ الإيراني في الجزيرة العربية والبحر الأحمر. وكلما اتسعت سيطرتهم الجغرافية والعسكرية، أصبح الفصل بين الحرب اليمنية والصراع الإقليمي أكثر صعوبة، فيما تتراجع مساحة الحل السياسي الذي يحتاجه اليمن.