متابعة/المدى
تتفاقم التداعيات الإنسانية للحرب المستمرة في السودان مع تصاعد القتال في عدد من الولايات، وسط تحذيرات أممية من اتساع نطاق العنف وتهديده المباشر للمدنيين، بالتزامن مع موجات نزوح جديدة وتزايد المخاوف بشأن سلامة العاملين في المجال الإنساني.
وحذر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) من أن استمرار المعارك يهدد المدنيين ويدفع آلاف السودانيين إلى مغادرة منازلهم في مناطق متفرقة من البلاد، فيما تشير المعطيات الميدانية إلى اتساع حركة النزوح في ظل تدهور الوضع الأمني.
وفي ولاية النيل الأزرق، قدرت السلطات المحلية احتمال نزوح نحو 22 ألف شخص خلال الأيام السبعة الماضية، نتيجة تصاعد القتال في محلية قيسان، حيث لجأ عدد من السكان إلى المدارس، بينما فر آخرون إلى مناطق أكثر أمناً، من بينها عاصمة الولاية.
وتزامن ذلك مع تطورات أمنية في ولاية شمال كردفان، إذ أفادت تقارير بوقوع إصابات وحالات نزوح عقب هجمات استهدفت قرى شمال شرق وشمال غرب مدينة الأبيض، عاصمة الولاية، فيما سبقت تلك الهجمات تقارير عن نهب ممتلكات مدنية ومواشٍ. كما تحدثت تقارير عن إصابات جراء هجوم بطائرة مسيرة في الجزء الشرقي من المدينة.
وأفادت المنظمة الدولية للهجرة بأن تدهور الأوضاع الأمنية في شمال كردفان أدى، الأحد، إلى نزوح نحو 450 شخصاً، في وقت تتزايد فيه المخاوف من امتداد القتال إلى مناطق مأهولة بالسكان.
وفي غرب دارفور، أوقعت ضربة بطائرة مسيرة استهدفت سوقاً للوقود في بلدة قريبة من الحدود مع تشاد قتلى وجرحى بين المدنيين، وفق تقارير، كما تسببت الضربة في أضرار بممتلكات مدنية.
أما في جنوب كردفان، فقد أدى تجدد القتال حول بلدتين خلال الأيام الأخيرة إلى نزوح عائلات جديدة، في مشهد يعكس استمرار اتساع رقعة الأزمة الإنسانية التي خلفتها الحرب.
وفي ظل هذه التطورات، صعّدت الأمم المتحدة تحذيراتها بشأن سلامة العاملين في المجال الإنساني، إذ أكدت منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في السودان دينيس براون أن احتجاز عمال الإغاثة من قبل جماعات مسلحة غير تابعة للدولة أمر غير مقبول، محذرة من أن ارتفاع أعداد المحتجزين يعرض حياتهم للخطر ويعرقل تقديم المساعدات الإنسانية.
ودعت براون إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن العاملين المحتجزين، فيما جدد المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك دعوة جميع أطراف النزاع إلى حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، واحترام القانون الدولي الإنساني، وضمان قدرة المنظمات الإنسانية على العمل بأمان واستقلالية.
وبالتوازي مع التحذيرات الأممية، تصاعدت الدعوات الدولية لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. وقالت رئيسة مجلس الأمن، كريستينا ماركوس لاسن، في تصريحات لقناة “العربية”، إن قوات الدعم السريع ترتكب “جرائم مروعة” في إقليم دارفور، معتبرة أن الأزمة السودانية واحدة من أسوأ الأزمات في العالم، ومشددة على ضرورة ضمان حماية المدنيين.
وأكدت لاسن أن مجلس الأمن يعمل على محاسبة المسؤولين عن الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب في السودان، مشيرة إلى أن الأزمة بقيت لفترة طويلة “منسية” على الساحة الدولية. كما لفتت إلى تحذيرات تلقاها المجلس بشأن احتمال وقوع أعمال وحشية في مدينة الأبيض، مؤكدة أن المجتمع الدولي لن يسمح بذلك.
وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار الحرب التي اندلعت في السودان في نيسان/أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، والتي خلفت تداعيات أمنية وإنسانية واسعة، فيما تشير تقديرات عاملين في مجال الإغاثة إلى مقتل أكثر من 200 ألف شخص وتشريد أكثر من 12 مليون سوداني.
ورغم استعادة الجيش السوداني السيطرة على العاصمة الخرطوم في آذار/مارس 2025، بعد عملية عسكرية واسعة ضد قوات الدعم السريع، فإن المعارك لا تزال مستمرة في عدد من المناطق، بينما تتواصل موجات النزوح وتتسع الاحتياجات الإنسانية، ما يبقي السودان أمام واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً على المستوى الدولي.