متابعة / المدى
تتسبب الحرب مع إيران في تداعيات اقتصادية واسعة النطاق على الاقتصاد العالمي، مع ارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة، وتزايد مخاطر نقص الغذاء في الدول الفقيرة، فضلاً عن زعزعة استقرار بعض الاقتصادات الهشة مثل باكستان، في وقت تواجه فيه البنوك المركزية تحدياً متزايداً في مكافحة التضخم.
ويعود جزء كبير من هذه التداعيات إلى تعطل الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 بالمئة من إمدادات النفط العالمية، ما أدى إلى اضطرابات في أحد أهم طرق الشحن الدولية.
وقال موريس أوبستفيلد، الزميل البارز في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي وكبير خبراء الاقتصاد السابق في صندوق النقد الدولي: “لفترة طويلة كان السيناريو الكابوسي الذي ردع الولايات المتحدة حتى عن التفكير في مهاجمة إيران ودفعها إلى حث إسرائيل على ضبط النفس هو أن يقوم الإيرانيون بإغلاق مضيق هرمز… نحن نعيش هذا السيناريو الكابوسي الآن”.
ومع تعطل أحد أهم طرق الشحن في العالم، قفزت أسعار النفط من أقل من 70 دولاراً للبرميل في 27 فبراير إلى ما يقارب 120 دولاراً في وقت مبكر من يوم الاثنين، قبل أن تستقر عند نحو 90 دولاراً، وهو ما انعكس بدوره على ارتفاع أسعار البنزين.
وانعكست الأزمة على سياسات الطاقة في عدة دول، إذ حذرت مطاعم في الهند من احتمال الإغلاق مع إعطاء الحكومة الأولوية لإمدادات الغاز للأسر. وفي تايلاند، عُلّق السفر الخارجي لموظفي الدولة، مع تشجيعهم على استخدام السلالم بدلاً من المصاعد لتقليل استهلاك الطاقة.
كما اعتمدت الفلبين أسبوع عمل مؤقتاً من أربعة أيام لبعض الهيئات الحكومية، بينما شجعت فيتنام الموظفين على العمل من المنزل في محاولة لخفض استهلاك الطاقة.
وقالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، إن كل زيادة بنسبة 10 بالمئة في أسعار النفط، إذا استمرت معظم العام، سترفع التضخم العالمي بنحو 0.4 نقطة مئوية، وتخفض الناتج الاقتصادي العالمي بما يصل إلى 0.2 بالمئة.
بدوره، قال الخبير الاقتصادي سيمون جونسون من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا والحائز على جائزة نوبل التذكارية في الاقتصاد لعام 2024: “يجب إعادة فتح مضيق هرمز.. يمر عبره نحو 20 مليون برميل نفط يومياً، ولا توجد طاقة فائضة في أي مكان في العالم يمكن أن تعوض هذا النقص”.
ورغم ذلك، يرى بعض الاقتصاديين أن الاقتصاد العالمي قد يتمكن من تجاوز الأزمة، كما حدث بعد تداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا قبل أربع سنوات، وكذلك بعد الرسوم الجمركية الواسعة التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في عام 2025.
وقال إيسوار براساد، أستاذ سياسات التجارة في جامعة كورنيل: “أظهر الاقتصاد العالمي قدرة على تجاوز صدمات كبيرة مثل الرسوم الجمركية الأميركية الواسعة، لذلك هناك مجال للتفاؤل بأنه سوف يستطيع الصمود أمام تداعيات الحرب مع إيران”.
ويرى الخبير الاقتصادي نيل شيرينج من مؤسسة “كابيتال إيكونوميكس” أن عامل الوقت سيكون حاسماً، موضحاً أنه إذا عادت أسعار النفط إلى نطاق يتراوح بين 70 و80 دولاراً للبرميل فإن “الاقتصاد العالمي قد يتمكن من امتصاص الصدمة مع اضطرابات أقل مما يخشاه كثيرون”.
لكن الغموض لا يزال يحيط بمدة استمرار الأزمة، خصوصاً بعد إعلان إيران عن مرشدها الأعلى الجديد مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل. وفي الأثناء، يتوقع أن تفرز الحرب رابحين وخاسرين اقتصادياً. فالدول المستوردة للطاقة، مثل معظم دول أوروبا وكوريا الجنوبية وتايوان واليابان والهند والصين، ستكون الأكثر تضرراً من ارتفاع الأسعار، بحسب تحليل نشره شيرينج لصالح معهد “تشاتام هاوس”.
وتواجه باكستان وضعاً صعباً بشكل خاص، إذ تستورد نحو 40 بالمئة من احتياجاتها من الطاقة وتعتمد بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي المسال من قطر، وقد تأثرت هذه الإمدادات بسبب الصراع. وبحسب اقتصاديين في “كابيتال إيكونوميكس”، قد يضطر البنك المركزي الباكستاني إلى رفع أسعار الفائدة بدلاً من خفضها، في ظل تضخم مرتفع وارتفاع تكاليف الطاقة.
في المقابل، قد تستفيد الدول المنتجة للنفط خارج منطقة الصراع، مثل النرويج وروسيا وكندا، من ارتفاع الأسعار دون أن تواجه مخاطر الهجمات الصاروخية أو المسيّرات.
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الطاقة، إذ أشار جوزيف جلوبر من المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية إلى أن ما يصل إلى 30 بالمئة من صادرات الأسمدة العالمية، بما في ذلك اليوريا والأمونيا والفوسفات والكبريت، تمر عبر مضيق هرمز.
وقد أدى اضطراب الملاحة في المضيق بالفعل إلى تعطيل شحنات الأسمدة، ما رفع تكاليفها على المزارعين ومن المرجح أن يؤدي إلى ارتفاع أسعار الغذاء عالمياً.