متابعة / المدى
في ظل تصاعد القلق العالمي من تداعيات التوترات في الشرق الأوسط، عاد سيناريو وصول أسعار النفط إلى 200 دولار للبرميل إلى واجهة النقاشات، ليس بوصفه توقعاً مباشراً، بل مؤشراً على حجم المخاطر التي قد تعيد تشكيل توازنات سوق الطاقة العالمية.
هذا السيناريو يرتبط بشكل وثيق بمضيق هرمز، الذي تحوّل من مجرد ممر جغرافي إلى نقطة اختبار يومية لحركة الإمدادات العالمية، في ظل تصاعد التهديدات وانتقالها من نطاق الاحتمال إلى مؤشرات فعلية تمس حركة الشحن. ومع كل حادثة استهداف أو تعطّل، ترتفع علاوة الأخطار، ما يدفع الأسواق إلى إعادة تسعير المخاطر قبل تحققها. في هذا السياق، لم يعد السؤال في دوائر القرار يدور حول احتمال ارتفاع الأسعار، بل حول سقف هذا الارتفاع في حال فقدت السوق جزءاً مؤثراً من الإمدادات. ويكتسب هذا الطرح أهمية مضاعفة في ظل بيئة تضخمية غير مستقرة، وسلاسل إمداد لا تزال تعاني آثار اضطرابات السنوات الماضية، ما يجعل أي صدمة جديدة أكثر سرعة وتأثيراً.
خلال الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، عكست حركة الأسعار هذا القلق المركب، إذ أغلق خام “برنت” قرب 112 دولاراً للبرميل، بعد أن لامس نحو 119 دولاراً في ذروة التصعيد، مع بقائه فوق حاجز 100 دولار. كما سجلت الأسعار مكاسب تجاوزت 8 في المئة خلال أسبوع واحد، في واحدة من أسرع موجات الصعود، ما يعكس تحرك السوق وفق التوقعات وليس الأحداث فقط.
ويظل مضيق هرمز نقطة الاختناق الأهم، إذ يمر عبره ما بين 15 و20 مليون برميل يومياً، أي نحو 20 في المئة من الإمدادات العالمية، ما يجعل أي تعطّل ممتد فيه كفيلاً بإحداث خلل هيكلي يصعب تعويضه سريعاً.
في المقابل، نقلت وكالة “بلومبيرغ” عن مصادر مطلعة أن مسؤولين في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب يدرسون سيناريو ارتفاع الأسعار إلى 200 دولار للبرميل ضمن تقييمات دورية لآثار الصراع مع إيران، من دون أن يمثل ذلك توقعاً رسمياً.
وذكرت المصادر أن هذه النماذج تهدف إلى قياس التأثير المحتمل على النمو الاقتصادي، وضمان جاهزية الإدارة لمختلف السيناريوهات، بما في ذلك استمرار الصراع لفترة طويلة. كما أشارت إلى أن وزير الخزانة سكوت بيسنت أعرب عن مخاوف مسبقة من انعكاسات ارتفاع الأسعار على الاقتصاد. لكن المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي نفى صحة هذه الرواية، مؤكداً أن الإدارة تقيّم سيناريوهات متعددة، لكنها لا تدرس احتمال وصول الأسعار إلى 200 دولار بشكل محدد.
في قراءة فنية أعمق، أوضح متخصصون في قطاع النفط والغاز أن بلوغ هذا المستوى السعري لا يرتبط بمجرد تصاعد التوترات، بل يتطلب انقطاعاً حاداً ومباشراً ومستداماً في الإمدادات، يؤدي إلى سحب كميات كبيرة من السوق خلال فترة قصيرة.
وأشاروا إلى أن هذا السيناريو لا يتحقق إلا في ظروف قصوى، مثل إغلاق مضيق هرمز لفترة ممتدة، أو تعرضه لأضرار عسكرية جسيمة، أو استهداف واسع للبنية التحتية للطاقة في الخليج، أو توسع النزاع ليشمل أطرافاً متعددة تعطل الممرات الحيوية.
وتكمن خطورة هذه السيناريوهات في حساسية ممرات الطاقة، إذ يمر عبر مضيق هرمز نحو 20 في المئة من الاستهلاك العالمي، ما يجعله نقطة اختناق رئيسة. وأي تعطيل طويل الأمد قد يدفع السوق إلى مرحلة شح فعلي، تتسارع خلالها وتيرة استنزاف المخزونات في ظل محدودية البدائل. وقدّر المتخصصون أن الوصول إلى 200 دولار يتطلب خروج ما بين 10 و20 مليون برميل يومياً من السوق بشكل مفاجئ، وهو ما يمثل صدمة عرض واسعة تعيد تشكيل توازنات السوق بالكامل.
من جهته، قال الرئيس التنفيذي لمركز “كوروم للدراسات الاستراتيجية” طارق الرفاعي إن الأسعار القياسية لا تُبنى على المخاوف، بل على نقص فعلي قابل للقياس في الإمدادات، مشيراً إلى أن أقرب نموذج تاريخي يعود إلى صدمة أواخر السبعينيات حين تضاعفت الأسعار نتيجة تراجع الإنتاج.وفي ما يتعلق بقدرة الولايات المتحدة على احتواء هذه الارتفاعات، أوضح أن واشنطن تمتلك أدوات تدخل، منها السحب من الاحتياطي الاستراتيجي والضغط على المنتجين وتعزيز الإنتاج المحلي، إلا أن فعاليتها تبقى محدودة في حال حدوث نقص كبير ومستدام، حيث تتحول ديناميكيات السوق إلى التركيز على حجم الفجوة الفعلية في الإمدادات.
بدوره، اعتبر المتخصص في الشأن النفطي عامر الشوبكي أن مستوى 200 دولار يمثل “سعر حرب كبرى”، يرتبط بحدوث شلل حقيقي في سلاسل الإمداد العالمية، سواء عبر مضيق هرمز أو باب المندب أو استهداف منشآت التصدير، ما يؤدي إلى تسارع استنزاف المخزونات وارتفاع كلفة الشحن والتأمين، وانتقال التأثير إلى مختلف قطاعات الاقتصاد العالمي.