متابعة / المدى
تتسارع تداعيات الحرب في لبنان مع تسجيل موجة نزوح واسعة النطاق، بعدما أعلنت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أمس الثلاثاء، تسجيل أكثر من 100 ألف نازح جديد خلال 24 ساعة فقط، في ظل تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية واتساع رقعة المواجهات مع حزب الله.
وقالت المفوضية إن عدد النازحين المسجلين داخل لبنان تجاوز 667 ألف شخص، وفق منصة إلكترونية حكومية مخصصة لتسجيل النازحين، مشيرة إلى أن هذا الرقم ارتفع بأكثر من 100 ألف شخص خلال يوم واحد، ما يعكس تسارعاً كبيراً في وتيرة النزوح مقارنة بما شهدته البلاد خلال حرب عام 2024.
وأوضحت ممثلة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان، كارولينا ليندهولم بيلينغ، أن حياة السكان “انقلبت رأساً على عقب على نطاق واسع” نتيجة الغارات الإسرائيلية المتواصلة وتحذيرات الإخلاء التي طالت عشرات القرى. وأضافت، في تصريحات للصحافيين من بيروت، أن عائلات في مناطق مختلفة من البلاد اضطرت إلى الفرار “خلال دقائق” بعد تلقي إنذارات بالإخلاء.
وبحسب المفوضية، يقيم نحو 120 ألف نازح حالياً في مراكز إيواء جماعية خصصتها الحكومة اللبنانية، بينما لجأ آخرون إلى منازل أقاربهم أو أصدقائهم، في حين لا يزال عدد كبير منهم يبحث عن أماكن للإقامة.
وتشير التقديرات الأممية إلى أن الضربات الإسرائيلية وإنذارات الإخلاء دفعت نحو 700 ألف شخص إلى مغادرة منازلهم خلال أكثر من أسبوع بقليل، بينهم نحو 100 ألف شخص فروا خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة وحدها. كما بدأت حركة نزوح عابرة للحدود، إذ أفادت المفوضية، نقلاً عن السلطات السورية، بأن أكثر من 78 ألف سوري عادوا إلى بلادهم قادمين من لبنان منذ اندلاع الحرب الأخيرة، في حين عبر أكثر من 7700 لبناني أيضاً إلى الأراضي السورية.
وتزامنت موجة النزوح مع تصاعد الخسائر البشرية. فقد أعلنت وزارة الصحة اللبنانية أن الغارات الإسرائيلية أسفرت حتى الآن عن مقتل 486 شخصاً وإصابة أكثر من 1313 آخرين، فيما أفادت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” بأن 84 من القتلى هم أطفال.
وتواجه عمليات الإغاثة تحديات كبيرة في ظل محدودية التمويل، إذ أكدت ليندهولم بيلينغ أن تمويل عمليات المفوضية في لبنان لا يتجاوز حالياً 14% من الاحتياجات المطلوبة، داعية إلى “تضامن دولي سريع ومستدام” لدعم الحكومة اللبنانية في الاستجابة للاحتياجات الإنسانية المتزايدة. وفي موازاة الأزمة الإنسانية، امتدت تداعيات التصعيد إلى الحدود السورية. فقد أعلنت هيئة العمليات في الجيش العربي السوري سقوط قذائف مدفعية على الأراضي السورية قرب بلدة سرغايا في ريف دمشق الغربي، مصدرها الأراضي اللبنانية.
وقالت الهيئة في بيان إن “ميليشيات حزب الله اللبناني أطلقت القذائف باتجاه نقاط للجيش العربي السوري قرب سرغايا”، مشيرة إلى رصد وصول تعزيزات للحزب إلى الحدود السورية – اللبنانية. وأضافت أن القوات السورية تتابع التطورات ميدانياً وتراقب الوضع بالتنسيق مع الجيش اللبناني لدراسة الخيارات المناسبة للتعامل مع الحادثة، مؤكدة أن الجيش السوري “لن يتساهل مع أي اعتداء يستهدف الأراضي السورية”.
وتقع بلدة سرغايا في منطقة القلمون قرب الحدود السورية – اللبنانية، على بعد نحو 50 كيلومتراً من العاصمة دمشق، وتعد منطقة حساسة جغرافياً وأمنياً نظراً لإشرافها على عدد من الطرق الجبلية التي تربط البلدين.
ميدانياً، تصاعد التوتر في لبنان بعد إعلان حزب الله دخوله المواجهة إلى جانب إيران، فيما شنت إسرائيل غارات مكثفة على الضاحية الجنوبية لبيروت، ما أدى إلى موجة نزوح إضافية بين السكان.
كما استهدفت غارة إسرائيلية، الاثنين، فرع مؤسسة “القرض الحسن” التابعة للحزب في منطقة برج البراجنة، بالتزامن مع تحذيرات إسرائيلية للسكان بإخلاء المنطقة.
وفي جنوب لبنان، شهدت بلدة النبي شيت محاولة إنزال لقوة إسرائيلية، قال حزب الله إن مقاتليه اشتبكوا معها، في حين نفذ سلاح الجو الإسرائيلي عشرات الغارات لتأمين انسحاب القوة.
وامتد القصف الإسرائيلي إلى عدد من البلدات الجنوبية، بينها زوطر والنبطية الفوقا وأرنون وأنصار وشقرا وياطر وعيتا الشعب ومارون الراس، في إطار تصعيد عسكري متواصل قرب نهر الليطاني.
وفي ظل هذه التطورات، تتجه المواجهة بين إسرائيل وحزب الله إلى مرحلة أكثر تعقيداً، مع تصاعد المؤشرات على سعي تل أبيب إلى ترسيخ واقع ميداني جديد في جنوب لبنان يقوم على إخلاء مساحات واسعة من السكان وإنشاء “حزام أمني” داخل الأراضي اللبنانية.
وبحسب تحليلات ميدانية، أصدر الجيش الإسرائيلي تحذيرات عاجلة لسكان القرى الواقعة جنوب نهر الليطاني بالإخلاء الفوري، في خطوة تهدف إلى إفراغ المنطقة التي تشكل نحو 10% من مساحة لبنان.
وتشير المعطيات إلى أن الخطة بدأت بإخلاء 83 قرية تقع بين نهر الليطاني والحدود الإسرائيلية، قبل التقدم البري وتكثيف الوجود العسكري في المنطقة.
ووفق تقديرات ميدانية، أنشأت القوات الإسرائيلية شريطاً عسكرياً بعرض يقارب سبعة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، تنتشر فيه أربع فرق عسكرية من القوات البرية والمدرعات.
وتتزامن هذه التحركات مع نقاشات داخل إسرائيل بشأن توسيع العمليات العسكرية وعدم وقف الحرب قبل تفكيك حزب الله وتجريده من سلاحه.
ونقلت صحيفة “فايننشال تايمز” عن مصادر مطلعة أن الجيش الإسرائيلي يستعد لحملة مطولة ضد الحزب، مع تقديرات داخل المؤسسة الأمنية بأن العمليات في لبنان قد تستمر لفترة أطول من المواجهة الجارية مع إيران.
وبحسب الصحيفة، تسيطر إسرائيل حالياً على ما لا يقل عن 12 موقعاً متقدماً على طول الشريط الحدودي اللبناني، في وقت يجري فيه بحث احتمال إرسال قوات إلى سهل البقاع شرقي البلاد، من دون اتخاذ قرار نهائي حتى الآن.
وفي القرى الحدودية، تتواصل الاشتباكات العنيفة، حيث أفادت تقارير ميدانية باندلاع مواجهات داخل بلدة الخيام بعد توغل قوة إسرائيلية في أحد أحيائها قبل أن تتعرض لكمين نفذه مقاتلو حزب الله.