في كل مجتمعٍ يقدّر الثقافة، لا يكون الاحتفاء بالمبدعين في لحظات النجاح فقط، بل في أوقات الشدة أيضًا. فالمبدع الحقيقي لا يقدّم نصوصًا عابرة، بل يترك أثرًا إنسانيًا وثقافيًا يستحق الوفاء والدعم حين يواجه ظروفًا قاسية، ويستحق حين تواجهه ظروف قاسية أن يجد الدعم والوفاء اللذين يعينانه على الصمود ومواصلة عطائه.
الشاعر الأديب مانع بن جلاب آل غانم، المعروف باسم «بدر الحزين»، هو أحد تلك الأرواح التي تركت بصمة عميقة في المشهد الشعري. ولم تكن حادثة السير الأخيرة التي ألمّت به، وأدت إلى بتر قدمه، مجرد ألم جسدي، بل تجربة تمس الإنسان في تفاصيل حياته اليومية، وتختبر صلابة روحه الإبداعية. ومع ذلك، لا يزال قلبه مفعماً بالأمل، ينتظر أن يجد الدعم والمساندة التي تعيده إلى ساحته الشعرية التي أحبها وأخلص لها.
هذه القصة لا تخص بدر الحزين وحده، بل تطرح سؤالًا أكبر عن مسؤولية المؤسسات الثقافية والجمعيات الشعرية. فالقيمة الحقيقية لأي مجتمع ثقافي لا تُقاس بعدد الأمسيات أو الفعاليات، بل بقدرته على احتضان مبدعيه، والوقوف إلى جانبهم حين يمرون بأوقات شدة، وتحويل التقدير المعنوي إلى فعل ملموس يمس حياتهم.
لقد عرف الوسط الثقافي بدر الحزين من خلال شعره الذي يفيض إحساساً وصدقاً، ومن حضوره الإنساني الذي أضاء أمسيات الأدب والحوارات الثقافية. ولعل الأشد ألماً أن تمر أزمته دون مبادرات واضحة تعكس حجم ما قدمه. فالمبدع حين يشعر بالوقوف إلى جانبه يستعيد جزءاً من قوته، كما عبّر هو في قصيدته الخالدة:
تبقى الحياة بمرها حلوة ما دام الله كريم
قم نفض أغبار الحزن عن خاطرك لا يخنقه
يخلق مع الضيقة فرج رب على خلقه رحيم
ويجيب من عقب المسا والليل شمس مشرقه
كلماته ليست مجرد شعر، بل رسالة صمود وإرادة، تذكّرنا بأن الأمل لا يموت، وأن القلوب التي تحب الجمال بحاجة إلى من يرافقها في المحن، كما يرافقها في النجاحات.
ومن هنا تأتي أهمية التذكير إعلاميًا، ليس بدافع استثارة العاطفة فقط، بل من منطلق المسؤولية الثقافية والإنسانية، فالصحافة الثقافية هي منبر يذكّر بالوفاء لمن أسهموا في بناء الجمال بالكلمة، وأسهموا في تشكيل الوعي المجتمعي.
ختامًا، تكريم الشاعر بدر الحزين اليوم لا يعني الاحتفاء بتجربته الفردية فحسب، بل هو دعوة صادقة لإعادة النظر في آليات دعم المبدعين، وتأكيد أن الثقافة الحقيقية تبدأ من الإنسان قبل النص؛ فحين يقف المجتمع مع شعرائه وأدبائه في لحظات الانكسار، فإنه يحفظ قيم الوفاء، ويثبت أن الأدب لا ينسى أبناءه، وأن القلوب التي صنعت الجمال تستحق أن تحترم.