ترجمة / المدى
كشف تقرير صادر عن الأمم المتحدة أن أكثر من 6000 شخص قُتلوا خلال ثلاثة أيام فقط عندما استولت قوات الدعم السريع شبه العسكرية على مدينة الفاشر العام الماضي في إقليم دارفور شمال غربي السودان، وذلك وفق شهادات ضحايا وشهود عيان، حيث يشهد البلد منذ ما يقرب من ثلاث سنوات نزاعًا متواصلاً، أدى إلى أكبر أزمة إنسانية في العالم.
وتتهم الأمم المتحدة قوات الدعم السريع شبه العسكرية في السودان بارتكاب فظائع واسعة النطاق ترقى إلى جرائم حرب وربما جرائم ضد الإنسانية.
وقال أحد الشهود، الذي رأى جثثًا تتطاير في الهواء عندما فتح مقاتلو قوات الدعم السريع النار على نحو 1000 شخص كانوا يحتمون داخل مبنى جامعي في أكتوبر/تشرين الأول الماضي: “كان الأمر أشبه بمشهد فيلم رعب”.
ويستند التقرير إلى أدلة على وقوع عمليات قتل جماعي، وإعدامات ميدانية، وتعذيب، واختطاف، وعنف جنسي ضد المدنيين. ويشير إلى أن هذه الأفعال ترقى إلى جرائم حرب وقد تصل إلى مستوى جرائم ضد الإنسانية.
لا يزال السودان غارقًا في صراع على السلطة منذ ما يقارب ثلاث سنوات بين الجيش النظامي وقوات الدعم السريع شبه العسكرية. وقد أدت الحرب الأهلية المستمرة إلى مقتل مئات الآلاف من الأشخاص وتشريد أكثر من 13 مليون شخص من منازلهم. كما يُستخدم العنف الجنسي على نطاق واسع ضد الرجال والنساء والأطفال كسلاح من أسلحة الحرب.
وقد وُجهت اتهامات لكل من قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية بارتكاب فظائع.
وترى الولايات المتحدة ومنظمة هيومن رايتس ووتش أن قوات الدعم السريع وحلفاءها ارتكبوا إبادة جماعية في إقليم دارفور غربي البلاد ضد شعب المساليت ومجتمعات غير عربية أخرى، إلا أن تقارير أممية حديثة لم تصل إلى حد وصف ذلك رسميًا بالإبادة الجماعية.
وتُعد مدينة الفاشر، الواقعة في إقليم دارفور، مدينة رئيسية في المنطقة، وقد تعرضت لحصار مستمر لمدة 18 شهرًا، حيث ظهرت بعض من أكثر الروايات المروعة في هذا الصراع.
ووفقًا لمكتب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، قدم أكثر من 140 ضحية وشاهدًا شهاداتهم في الولاية الشمالية بالسودان وفي شرق تشاد أواخر عام 2025.
وخلال الأيام الأولى من الهجوم على الفاشر، ذكرت الأمم المتحدة أن “ما لا يقل عن 4400 شخص قُتلوا” داخل المدينة، وأن “أكثر من 1600 شخص آخر قُتلوا على طرق الخروج أثناء محاولتهم الفرار”.
وأضاف التقرير أن “الحجم الفعلي لعدد القتلى خلال الهجوم الذي استمر أسبوعًا من المرجح أنه أعلى بكثير”.
وجدد مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك دعوته لجميع أطراف النزاع في السودان لإنهاء ما وصفه بالانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها القوات التابعة لهم.
كما ازداد الضغط الدولي على الجهات الداعمة لهذا الصراع من أجل الانسحاب منه.
وقد نفت دولة الإمارات العربية المتحدة الادعاءات الواسعة بأنها المورد الرئيسي للأسلحة لمقاتلي قوات الدعم السريع.
وفي الأسبوع الماضي، فرضت المملكة المتحدة عقوبات على ست شخصيات رئيسية قالت إنها تؤجج الحرب في السودان، من بينهم قادة كبار في الجيش وقوات الدعم السريع، إضافة إلى ثلاثة أجانب يُزعم أنهم مسؤولون عن تجنيد مرتزقة كولومبيين للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع.
كما تحدث مشرعون بريطانيون مؤخرًا في البرلمان بعد مزاعم أممية تفيد بأن أسلحة باعتها المملكة المتحدة بشكل قانوني إلى الإمارات أُعيد بيعها لاحقًا إلى قوات الدعم السريع.
وقالت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر ردًا على ذلك: “تمتلك المملكة المتحدة ضوابط صارمة للغاية على صادرات الأسلحة، بما في ذلك لمنع تحويل وجهتها. وسنواصل التعامل مع هذا الأمر بأقصى درجات الجدية”.
كما أعلن تحالف مرتبط بقوات الدعم السريع يُعرف باسم “تحالف تأسيس السودان” عن خطط لتشكيل حكومة سودانية موازية مقرها غرب البلاد.
وقد رفض الاتحاد الإفريقي هذه الخطط، محذرًا من أن مثل هذه الخطوة قد تهدد أي فرصة لتحقيق وحدة السودان.
ما بدأ كصراع على السلطة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع شبه العسكرية، تحول الآن إلى واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في العالم. إذ يحتاج نحو ثلثي سكان السودان الآن إلى مساعدات إنسانية، مع تصاعد الجوع، وانهيار الأنظمة الصحية، وفرار العائلات عبر الحدود.
من جانب آخر، قرر مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي، يوم الخميس، الإبقاء على موقفه بشأن تعليق عضوية السودان، وحدد خطوات رئيسية نحو تحقيق السلام.
وشدد المجلس على الأزمة الإنسانية الحادة في البلاد، مشيرًا إلى المجاعة وعمليات القتل المنهجية والنزوح الجماعي للمدنيين، إضافة إلى استهداف مجموعات عرقية معينة وتدمير البنية التحتية. وفي المادة الرابعة من بيانه، أوضح مجلس السلم والأمن القيم الأساسية التي يسعى الاتحاد الإفريقي إلى تعزيزها مستقبلًا، حيث أكد المجلس على عدة أمور جوهرية، من بينها:
المطالبة بإعطاء الأولوية للمصالح العليا للسودان؛ والدعوة إلى استعادة سريعة وكاملة لحكومة مدنية منتخبة ديمقراطيًا بما يتماشى مع صكوك وقرارات الاتحاد الإفريقي؛ كما دعا إلى احترام مصالح المواطنين السودانيين وإعطائها الأولوية عبر منح السلام فرصة.
كما أيد المجلس المبادرة الوطنية السودانية للسلام، وهي خطة طرحها رئيس الوزراء الانتقالي كامل إدريس، وتتضمن وقف إطلاق نار تراقبه كل من الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي؛ وانسحاب مسلحي قوات الدعم السريع من المناطق التي سيطروا عليها؛ ووضع جدول زمني لنزع سلاح هذه القوات.
وأدان المجلس أيضًا التدخلات الخارجية، داعيًا إلى التنفيذ السليم لبيان صدر عام 2024. ويتطلب ذلك أن تعمل اللجنة الفرعية للعقوبات مع أجهزة الاستخبارات لتحديد أي دولة أو جهة غير حكومية تقدم دعمًا عسكريًا أو ماليًا أو سياسيًا للأطراف المتحاربة، واتخاذ إجراءات لمنع استمرار هذا الدعم الذي يغذي العنف.
في المقابل، أصدرت جماعات مدنية سودانية، بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، بيانات معارضة لخطة إدريس للسلام، لا سيما بسبب تعيين إدريس من قبل المؤسسة العسكرية. وترى هذه الجماعات أن دعم هذا الحل “يتعارض مع بروتوكولات الاتحاد الإفريقي التي تعطي الأولوية للتسويات التفاوضية بدلاً من الحلول المرتكزة على العمل العسكري”.
وجاء اجتماع مجلس السلم والأمن ضمن أعمال القمة التاسعة والثلاثين للاتحاد الإفريقي التي عُقدت في أديس أبابا في إثيوبيا، والتي بدأت يوم الأربعاء واختُتمت يوم الأحد. ويرى خبراء أن القمة تمثل “نافذة ضيقة لكنها حاسمة” لإعادة ضبط نهج الاتحاد الإفريقي واتخاذ إجراءات حاسمة بشأن أزمة السودان.
عن صحف ووكالات عالمية