متابعة / المدى
يواجه لبنان مرحلة بالغة الحساسية على جبهتين متوازيتين: أزمة دبلوماسية متصاعدة مع إيران التي تتحدى قرار طرد سفيرها من بيروت، وتوغل إسرائيلي متواصل في الجنوب وسط تحذيرات من تحوّله إلى احتلال طويل الأمد، فيما تسعى الحكومة اللبنانية إلى إعادة تثبيت سيادتها ودور الدولة وسط انقسامات داخلية وضغوط خارجية متشابكة.
وأعلنت إيران، أمس الاثنين، أن سفيرها لدى لبنان سيبقى في البلاد رغم إعلانه شخصاً غير مرغوب فيه ومنحه مهلة لمغادرة البلاد انقضت يوم أمس الاول الأحد. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي خلال مؤتمر صحفي أسبوعي: “سيواصل سفيرنا عمله كسفير لإيران في بيروت، وسيبقى موجوداً هناك”، مضيفاً أن “السفارة في بيروت لا تزال تعمل”.
وكانت الأزمة الدبلوماسية قد تصاعدت بعد قرار وزارة الخارجية اللبنانية في منتصف آذار الجاري إعلان السفير الإيراني محمد رضا رؤوف شيباني “شخصاً غير مرغوب فيه” ومنحه مهلة 15 يوماً لمغادرة البلاد، استناداً إلى المادة 9 من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، مع اتهامه بالتدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية وإجراء لقاءات مع جهات غير رسمية دون التنسيق مع الخارجية اللبنانية.
وأثار القرار ردود فعل سياسية متباينة داخلياً، إذ أبدى رئيس مجلس النواب نبيه بري تحفظه على الخطوة مطالباً بالتراجع عنها، فيما نفت مصادر في القصر الجمهوري علم الرئيس جوزيف عون بالقرار مسبقاً، مؤكدةً أن التفاهم كان يقتصر على استدعاء السفير لتوجيه إنذار وليس طرده. وأشعل بقاء السفير الإيراني في بيروت رغم انقضاء المهلة غضباً سياسياً واسعاً. وقال وزير الصناعة جو عيسى الخوري عبر منصة “إكس”: “عندما ينتفض جزء من الدولة على قرارات صادرة عن جزء آخر من الدولة، لا يكون السؤال من يحكم لبنان، بل أي نظام يجب أن يحكم لبنان”. وأكدت النائبة غادة أيوب أن “السفير الإيراني لم يعد بإمكانه تمثيل دولته ولا القيام بأي اتصالات رسمية مع الحكومة اللبنانية ولا ممارسة أي عمل دبلوماسي”، موضحةً أنه بات “كأي مواطن إيراني خارج عن القانون ولاجئ إلى سفارة بلاده”، وأن خروجه من السفارة سيستدعي من الدولة ترحيله.
بدوره، اعتبر النائب مارك ضو أن تصريح الخارجية الإيرانية بأن السفير المطرود سيستمر في عمله من داخل السفارة يمثّل “تحدياً سافراً لسيادة لبنان واستخفافاً غير مقبول بمؤسساته وقراراته”، مضيفاً أن ذلك يشكّل “تحدياً مباشراً للعهد ولرئيس الجمهورية والحكومة مجتمعين، ومحاولة مكشوفة لضرب هيبة الدولة”. وشدّد على أن “السيادة ليست وجهة نظر”، مطالباً “بردّ واضح وحازم من الدولة اللبنانية ضمن الأطر الدبلوماسية والقانونية، وصولاً إلى اتخاذ كل الإجراءات المتاحة، بما فيها قطع العلاقات الدبلوماسية وإغلاق السفارة، إذا استمر هذا التمادي”.
وتعليقاً على بقاء السفير، هاجم وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر الحكومة اللبنانية واصفاً إياها بأنها “دولة افتراضية محتلة من قبل إيران”. وفي قراءة أوسع للمشهد، قال رئيس تحرير موقع “جنوبية” علي الأمين في تصريح متلفز إن قرار طرد السفير الإيراني يُعدّ خطوة نوعية، إلى جانب إعلان رئيس الجمهورية الاستعداد للتفاوض المباشر وقرار الحكومة اعتبار سلاح حزب الله غير شرعي ووصمه بـ”الميليشيا”. وأكد أن السلطات اللبنانية ماضية في قرارها دون تراجع، مستبعداً أي تغيير في الموقف حتى في حال صدور اعتذار رسمي من إيران، محذّراً من أن إصرار طهران على إبقاء سفيرها سيؤدي إلى فقدانها التمثيل الدبلوماسي في لبنان.
وعلى الجبهة الجنوبية، أوضح الأمين أن إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو توسيع المنطقة الأمنية في جنوب لبنان لم يكن مفاجئاً، مشيراً إلى أن هذا الطرح كان مطروحاً قبل اندلاع الحرب واستمر خلالها في ظل توغلات ميدانية تتجاوز الأرقام المعلنة. وأوضح أن التوغل الإسرائيلي لم يقتصر على عمق 18 كيلومتراً، بل امتد إلى نحو 14 كيلومتراً وما يتجاوز ذلك في مناطق البياضة والقطاعين الأوسط والشرقي، مع إعلان إسرائيلي صريح عن نية البقاء لسنوات، وهو ما اعتبره “احتلالاً دائماً” في جوهره.
ووصف الأمين ما يجري بأنه “حرب إيرانية إسرائيلية تُخاض على الأرض اللبنانية”، لافتاً إلى أن حزب الله هو الطرف المنخرط ميدانياً لكنه يتحرك وفق القرار الإيراني. وأشار إلى تنامي الغضب الشعبي، خصوصاً في أوساط سكان الجنوب الذين نزح منهم نحو مليون شخص، في ظل عمليات تدمير واسعة طالت الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق الجنوب، مما أدى إلى فراغ سكاني واسع. وأضاف أن النازحين يواجهون تساؤلات مصيرية بشأن العودة مع مخاوف من تحوّل النزوح إلى هجرة دائمة، إلا أن هذا الغضب يبقى مكبوتاً بفعل ظروف الحرب القاسية.
وفي ما يتعلق بالوضع الداخلي، أكد الأمين أن الحكومة اللبنانية تبقى “الخيار الوحيد” رغم محدودية أدائها، مشيراً إلى أنها لم تنجح بالكامل في فرض حصرية السلاح أو تنفيذ وقف الأعمال العدائية، فضلاً عن تراجع الثقة الدولية بها خصوصاً من الجانب الأمريكي. وختم بأن التطورات الميدانية والسياسية، إلى جانب تزايد عزلة حزب الله، قد تصبّ في نهاية المطاف في مصلحة تعزيز مشروع الدولة اللبنانية ومؤسساتها.